أبو عبد الله محمد بن علي القلعي

43

تهذيب الرياسة وترتيب السياسة

لإيمانهم أن ما عند الله يبقى وأن أمر الدنيا صائر إلى زوال . فما أن تسامع الناس بأنّ الإمام قد رضي البقاء عندهم حتى فرحوا واستبشروا به خيرا وحملوا متاعه على الفور من المركب إلى البلد وأنزل في دار تليق به كعلم من أعلام الفقه وإمام من أئمة الإسلام وأحاطوه بوافر الحفاوة والتكريم « 1 » . وهناك بدأ الإمام أبو عبد الله نشاطه وأقبل على التدريس ونشر العلم وتسامع الناس به وأطبقت شهرته النواحي فقصده طلاب العلم من كل ناحية وتتلمذوا على يديه وأخذوا عنه كتبه في الفقه والفرائض والسياسة وإليه يرجع الفضل في نشر الفقه في تلك البلاد يذكرون له الجميل فيقولون إنه لم ينتشر العلم عن أحد بتلك الناحية كما انتشر عن الإمام القلعيّ . وعنه أخذ أعيان فقهائها فهم أصحابه أو أصحاب أصحابه . وكان للإمام المنزلة الرفيعة عند عامة سلاطين مرباط وكلّهم يقدر له قدره ويعرف له فضله ويحيطه بما يجب له من حفاوة وتكريم يدلّ على ذلك ويؤيده أنه لما أحدث محمد بن أحمد الحبوضيّ ظفار سنة 620 ه بعد وفاة الأكحل وأمر أهل مرباط أن ينتقلوا إليها وهدم عامة بيوت مرباط إلا بيت الإمام القلعي إجلالا له واعترافا بفضله ورعاية لمنزلته . ولكنّ الإمام ابتنى بيتا بظفار وكان يتردد بينها وبين مرباط حتى لا ينسب إلى مخالفة السلطان « 2 » وليقوم بواجب نشر العلم وتبليغه للناس ويلتقي بتلاميذه . وكان عامة أهل مرباط وظفار وحضرموت يقدرون للفقيه جهاده وتفانيه في نشر العلم فله في قلوبهم المحبة والإكبار حتى أنّ أهل السعة منهم كانوا يوقفون الأوقاف ويحبسون الأحباس على تلاميذ الإمام ومن يفد إليه حتى أنّ

--> ( 1 ) انظر : السلوك ، ج 2 ص 210 - 211 ، تاريخ ثغر عدن ، ج 2 ص 195 . ( 2 ) السلوك في طبقات العلماء والملوك ، ج 2 ص 211 - 212 .